شخص واحد فقط يكفي لتدمير أسرة
د. كريمة مطر المزروعي
اسمي حصة، في الثالثة و العشرين من العمر، يقولون عني جميلة و أبدو للجميع على قدر معقول من التدين. حاولت الانتحار مرارا. برر أبي "الحاج علي" محاولتي الفاشلة للتخلص من حياتي بأنها "قلة تربية و أدب"، وبررها إخوتي الذكور بالجنون. دعوني إعود بكم للوارء قليلا، والدي الحاج علي عرف بين الناس بالتدين و الكرم و أمي لم تدخل المدرسة مطلقا. بيتنا مختلف قليلا عن بقية بيوت خلق الله. فالتلفاز مثلا في نظر والدي سيخرب عقول الأبناء الثمانية و يملأ أعينهم و عقولهم بمشاهد قلة الحياء لذا و عندما يأتي رمضان فإننا ننسل من الباب الخلفي لمشاهدة المسلسلات الخليجية في بيت الجيران. الخروج من البيت بشكل عام ممنوع للفتاة فأي حاجة تلزم الفتاة أن تخرج من المنزل مادام الطعام و اللباس يشترى لها. المرأة في نظر أبي خلقت لتخدمه و تخدم أبناءه الذكور، و كان طبعا من المستحيل التحدث معه بشأن إحضار خادمة. كنت أكره الأيام التي تكون فيها أمي حاملا أو واضعا لأن أعمال المنزل كلها تنهال على رأسي. فمنذ عودتي من المدرسة و حتى النوم وأنا في المطبخ لخدمة الجميع و خدمة أمي المنهكة و الزوار. كان ينهكني عمل المنزل في سني الصغير و ينهكني أكثر كوي "كنادير" أبي و أخوتي الذكور. كانت الطامة الكبرى أن يجدني أبي منكبة على كتابي المدرسي فكان يركلني و يشدني من شعري أمام الجميع للمطبخ. كان أبي يعلق "خيزرانه" عند مدخل بابنا الألمنيوم تأهبا لمن يتجاوز حدوده و التي كانت تتغير تبعا لمزاجه. كان أبي يفرق في المعاملة بيننا بشكل مبالغ فيه. فأخي الكبير طرد و هو في الرابعة عشرة من عمره عندما دافع عن نفسه وقت شتمه أبي في الحي أمام الناس، و أخي الثاني مدلل و جميع طلباته مجابة، و أخي الثالث يضرب بمجرد أن يتكلم، و أخي الرابع ابن أبي و ساعده الأيمن. بالنسبة للفتيات فأنا الكبري، و أخواتي الباقيات صغيرات و أعتبر المسئولة عن المنزل بعد أمي. و ما أدراكم عن أمي، تلك المسكينة التي كانت تضرب أمامنا إذا حاولت الدفاع عنا. صورة أمي و أبي يضربها بالقدور في المطبخ و يشدها من شعرها و يطلب منها الطبخ و الكوي بعد يومين من الولادة لا يمكن أن تمحى من ذاكرتي. أمي فرت من المنزل مرارا إلى منزل جدتي طالبة الطلاق بعد أن فاض بها الكيل وكانت النتيجة أن حُنق أبي عليها يفرغ فينا، فكانت رؤوسنا تضرب في الجدار و نضرب بالخيزرانة و الأحذية حتى تعود أمي رحمة بنا لتنال ما فاتها من الضرب. منهج أبي في الحياة يقوم على أن الرجل الحقيقي هو الذي "يشكم" أهل بيته، لذا كانت "الخيزرانه" صاحبة الصوت الأعلى في المنزل. كان يسعده أن يرى أبناءه يركضون إلى الداخل خوفا وهلعا بمجرد دخوله للمنزل بل و كان يفخر بذلك أمام الجيران. وكان الرضا يبلغ أوجه عندما يزوره الرجال في المجلس فيخطئ أخي الأصغر في مسك دلة القهوة باليد اليمنى ليصب القهوة في اليد اليسرى فيأخذ منه الفنجان الملئ بالقهوة الملتهبة ليرميها في وجهه أمام الجمهور ثم يعايره بأنه ليس رجلا و لا يعرف مذهب الرجال . الرجولة عند أبي يعززها العنف و الصوت المرتفع. ما زاد الطين بلة أن أبي تقاعد و ليته ما فعل، فأبي كان يعمل حارسا لمدرسة قريبة، و بعد أن كنا نرتاح منه بعض الوقت أصبح معنا في المنزل ليل نهار. قاوم إخوتي الذكور أبي كثيرا و تعاركوا معه أكثر و عندما يئسوا منه أصبحوا مثله في قسوته وضربه لنا. كنت أحسد إخوتي الذين دخلوا الجامعة لأن فرصة الفرار من المنزل واتتهم. لا أذكر أن حضننا أبي أو حتى أمي، لا أذكر غير إنني كنت أسمع كلمة "وايد عليك" عندما أنجح في الدراسة، لم يفهمنى أحد شئ عن المراحل العمرية التي تمر بها الفتاة. في المدرسة كنت فاشلة في تكوين الصداقات، فماذا عساي أن أقول لهن و عن أي شيء أحدثهن فأنا لا أعرف شيئا عن الحياة و الموضة و لا أعرف شيئا عن الفرح. عندما أشتكي لأمي من حياتي المملة و فشلي فيها فتقول لي اصبري و لك الأجر. لأكون صريحة معكم جربت أشياء كثيرة لأشعرهم بوجودي دون طائل، فهم لا يعرفونني إلا إذا أرادوا شاياُ أو عشاء. جربت أن أكلم شبابا في الهاتف لآنتقم من أبي و إخوتي و حياتي و نفسي، و كلما اكتشف إخوتي استخدامي لهواتفهم كنت أضرب حتى أكاد ألفظ آخر أنفاسي، وكان يزداد في حقيقة الأمر احتقاري لذاتي. أنا مجرد رقم في المنزل و خادمة من الطراز الأول. كان حلمي أن أصبح طبيبة أو مدرسة، كان حلمي أن أصبح شيئا مهما، كان حلمي أن أتدلل كالبنات و أن أحمل حقائب "ماركات" و أشتري أفخر العطور و أن تكون لي صديقات و أسرار. كان حلمي الأول و الأخير أن أشعر بإنسانيتي التي غيبها أبي و غيب معها كل شئ جميل في الحياة. أسرتنا مشتتة الآن بين مدمن مخدرات و مطلقة و ما بين ذلك. حتى "الخيزرانة" انتقلت من يد أبي إلى يد أخي ليكمل مشوار الوالد. لا أعتقد أن أحدا في منزلنا يعتبر إنسانا طبيعيا أو يعرف كيف يعيش أو يفكر. مع أني لم أر نموذجا جيدا للحياة الزوجية أو على الأقل يشجع عليها، ولكن أن أتزوج خير لي من حياة السخرة في منزل أبي و من لقب "يالعانس" الذي يسمعني إياه أبي منذ بلغت العشرين. تزوجت بأول طارق للباب من رجل يصلح أن نطلق عليه "سد خانة" أعرف أنه يعرف الكثير من الفتيات و أعرف أنه يشرب الخمر و أعرف كذلك أنه يمثل دور المتدين أمام الجميع. كان أمامي خيار أن أعود إليهم كمطلقة ولكني قررت أن لا أعود لمنزل أبي. يجب علي أن ألملم شتات نفسي و أبدأ ببناء ببعض شخصية كنت أحلم بها. قررت أن أكمل دراستي و أدخل الجامعة، قررت أن يكون لي أبناء وأن تكون ابنتي طبيبة، و قررت أن أساعد أمي بمصروف شهري لم تره في حياتها مع أبي، و قررت أن أكون لأخواتي الأسرة التي لم يعيشوا معها قط، و قررت أن أصلح زوجي أو على الأقل أهذبه. حياتي مع أبي علمتني الاستسلام، وها أنا أتعلم المقاومة. لن أدع أبنائي يعيشون مأساتي مرة آخرى، ولن أسمح لزوجي يكون مسخا عن أبي لأدمر مرتين. إن رأيتم يوما خيزرانة في الطريق العام فاعلموا إنها هي "الخيزرانة" التي تجرأت و سرقتها من منزل أبي خلسة، أرجوكم لا تأخذوها فتلك العصا دمرتني من قبل و دمرت أسرة كاملة.